Presidency of the Kurdistan Region of Iraq

الرئيس نيجيرفان بارزاني: النقد واحد من أعظم مصادر قوّة البلد

2026-09-27T19:27:00.000000Z
الأخبار مقالات

شارك فخامة السيد نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، مساء اليوم (الأحد، 17 أيلول 2026)، في مراسم أقيمت بمناسبة مرورعشرين عاماً على تأسيس جامعة كوردستان – أربيل، وألقى فخامته كلمة بالمناسبة، هذا نصها:

 

الضيوف الكرام،

أعضاء الأسرة الجامعية،

الطلبة والخريجون والأصدقاء الأعزّاء،

طاب مساؤكم.

 

يسعدني أن نجتمع معاََهنا هذا المساء إحياء للذكرى العشرين لتأسيس جامعة كوردستان -أربيل.

 

لحين تحرير العراق في عام ٢٠٠٣، كانت أولويتنا الوحيدة في إقليم كوردستان هي البقاء. ولذلك كرّسنا كل طاقاتنا وقدراتنا للبقاء فقط. ثم ومع تحرير العراق، وُلد أمل جديد لشعبنا، وتهيأت لنا فرصة لنكرّس جزءاً أكبر من طاقاتنا للبناء. فقد بدأنا قبل عشرين عاماً، بشيء جديد.

 

في عام ٢٠٠٦، كان إقليم كوردستان يدخل مرحلة جديدة. كنّا نمدّ الطرق ونبني المؤسسات وننشئ العلاقات مع العالم. لكنني حينها كنتُ أؤمن، وأحمل اليوم إيماناً وقناعة أعمق، بأن أهمّ استثمار يمكن أن نُقدِم عليه هو الاستثمار في العلم والوطن. ولهذا أسّسنا جامعة كوردستان - أربيل.

 

عندما أسّسنا هذه الجامعة، كان لنا هدف واضح وثابت: أردنا أن نُنشئ، إلى جانب جامعات كوردستان الأخرى، جامعةً جديدة لتصبح واحدةََ من أفضل الجامعات في كوردستان والعراق والمنطقة. كنا نريد جامعةً تكون الدراسة فيها بلغة العلم المعاصر. جامعةً متّصلةً بالعالم، وملتزمةً بالمعايير الأكاديمية العليا، وتحترم التفكيرالمستقل. وقبل كل شيء، أردنا أن يتعلّم شبابنا كيف يفكّرون تفكيراً سليماً وموضوعياً.

 

أيتها السيدات والسادة..

 

بعد مضي عشرين عاماً، أصبح هناك الكثير مما يدعو للفخر والتقدير. ينبغي أن تفخر الجامعة بأنها خرّجت أكثر من (٣٧٠٠) شابٍّ وشابة من أبناء هذا الوطن. وأن تفخر بدورهم المؤثّر في إعمار وتطوير كوردستان.

 

وبأن (٧٥٪) من خريجيها انخرطوا في سوق العمل بفاعلية، وأن (٩٠٪) من هذه النسبة أصبحت العمود الفقري للقطاع الخاص، إلى جانب حضورها القوي في القطاع العام ومجال الدراسات العليا. وأيضاً بأن أكثر من (١٥٠) من خريجي هذه الجامعة لم يكتفوا بالبحث عن فرص عمل، بل أصبحوا روّاد أعمال، وأوجدوا فرص عملٍ لمئات آخرين من شباب كوردستان.

 

وخريجو جامعة كوردستان - أربيل أصبحوا اليوم محركين رئيسيين للتنمية والإدارة في جميع محافظات كوردستان، وأثبتوا عملياً أن الرهان على التعليم العصري وإعداد أفراد ذوي كفاءات هو أنجح طريقٍ لبناء مستقبل أكثر إشراقاً لبلدنا.

 

غير أن هذه السنوات العشرون علّمتنا أيضاً أمراً لم نكن نُدركه تماماً في العام ٢٠٠٦، وهو أن مجرد تأسيس مؤسسةٍ يُعدّ إنجازاً، لكن بناء مؤسسةٍ قادرةٍ على التعلّم والتغيير والدوام، إنجاز إضافي.

 

مسيرة الجامعة في السنوات العشرين الماضية، لم تخلُ من المشكلات. فإلى جانب الإنجازات اللافتة، اعترضت الطريقَ عقبات كأداء. وكانت هناك قرارات جيدة، وقرارات أخرى احتاجت إلى إعادة نظر. وكان على الجامعة أن تتعلّم، وأن تتكيّف، وأن تصحّح الأخطاء، وأن تمضي قُدماً إلى الأمام.

 

لا ينبغي أن نشتكي من ماضي الجامعة، بل علينا أن نتعلّم منه. لأن المؤسسة لا تستمد قوتها من التظاهر بأنها لم تُخطئ، بل تستمد قوتها من تشخيص أخطائها وتصحيحها. وربما ستقدّم لنا الجامعة، بعد عشرين عاماً، صورةً نلمس فيها أيضاً جزءاً من مسيرة كوردستان.

 

أيتها السيدات والسادة..

 

إذا نظرتم إلى إقليم كوردستان في عام ٢٠٠٦، وأمعنتم النظر إليه اليوم، لوجدتم تبايناً كبيراً. لقد حقّقنا اليوم جملةً من الأمور كانت تبدو ذات يوم بعيدة المنال. بنينا البنى التحتية والمؤسسات، وفتحنا أبواب كوردستان على العالم، وعزّزنا علاقاتنا الدولية، وأعددنا جيلاً جديداً ذا كفاءة.

 

هذه كلها أمور كان يصعب على الأجيال السابقة تصوّرها. لكن مسيرتنا، هي الأخرى، لم تكن خاليةً من المشكلات. واجهنا الإرهاب وخُضنا الحرب، حرب تحطيم داعش. آوينا أعداداً هائلة من النازحين واللاجئين. وتحمّلنا الأزمة الاقتصادية، والخلافات السياسية، والعلاقات المعقّدة مع بغداد، وعدم الاستقرارٍ في منطقتنا برمّتها.

 

بعض مشكلاتنا كان نتيجة للظروف التي تمرّ بها منطقتنا، وكانت خارجة عن إرادتنا. وكان بعضها من صنع أيدينا. ويجب أن نمتلك من الثقة بأنفسنا ما يمنحنا القدرة على التمييز بينها. لأن الدرس الذي تعلّمناه في هذه السنوات العشرين ليس أننا كنا على صواب في كل شيء. فالأمر لم يكن كذلك.

 

إنّ الدرس هو أن التقدّم مرهون بقدرتنا على التعلّم. علينا أن نحافظ على ما ينفع ونطوّره. وأن نغيّر ما لا ينفع. وأن نجدد ما بات بالياً على نحوٍ يجعله أفضل. وحين لا تعود الخيارات المتاحة أمامنا جيدةً بما يكفي، يجب أن نمتلك من الجرأة وسعة الأفق ما يؤهلنا لابتكارخياراتٍ جديدة.

 

هذا المبدأ ينبع من صميم الجامعة. فعندما تعلّم الجامعة طلابها أن يُشكّكوا في الثوابت، ويمحّصوا الأدلّة، ويفكّروا تفكيراً ناقداً، حينها يجب على الجامعة أن تبقى منفتحةً على النقد. وكذلك الحال مع كوردستان. نريد شباباً يحترمون تضحيات الأجيال السابقة وإنجازاتها. لكننا لا نريد أن يفسّر هذا الاحترام بأنه يعني التزام الصمت.

 

نحن نريد جيلاً جريئاً يمتلك شجاعة طرح الأسئلة وتصحيح الأخطاء. جيلاً يستطيع أن يقول لنا حين نُخطئ: أخطأتم. فالنقد ليس تهديداً لكوردستان، بل هو واحد من أعظم مصادر قوّة البلد. والخطأ فرصة للتعلّم، ومصدر لكسب الخبرة.

 

إن عالم اليوم مختلف جداً عن عالم ٢٠٠٦. فالذكاء الاصطناعي يُغيّر التربية والتعليم  والحكومات والاقتصاد. والمعلومات التي كان السعي في طلبها والعثور عليها يستغرق أياماً، صار بالإمكان الحصول عليها في ثوانٍ. وفي عالمٍ كهذا، لم تعد المعلومات وحدها كافية. بل نحتاج إلى مَن يستطيعون التمييز بين المعلومة والمعرفة.

 

ويميّزون بين التكرار والتفسير. ويستطيعون تغيير آرائهم حين يكتشفون أنهم كانوا مخطئين. ويستطيعون أن يكونوا مختلفين في الرأي دون أن يحوّلوا الاختلاف إلى عداوةٍ بينهم. ويستطيعون أيضاً حلّ المشكلات التي لم نجد لها حلّاً بعد.

 

طرحنا قبل عشرين عاماً، هذا السؤال: كوردستان بحاجة إلى أيّ نوعٍ من الجامعات؟ واليوم، أريد أن أعكس السؤال: أيّ نوعٍ من كوردستان يستطيع الذين تعلّموا في هذه الجامعة أن يساعدونا على بنائه؟

 

ينخرط خريجونا على مدى عشرين عاماً في مجالات العمل الحكومي والتجارة والتربية والتعليم والمجتمع المدني. لكن طموحنا أكبر من مجرّد انخراطهم في العمل في المؤسسات. فنحن نتوقع من خرّيجينا أن يحسّنوا المؤسسات. وأن يتولى بعضهم بناء مؤسسات لم تُبن بعد.

 

وآمل ألّا يظنّ الجيل الحالي أبداً أن جيلنا قد اكتشف كل الفرص التي يحتاجها إقليم كوردستان. فنحن لم نستطع اكتشافها كلّها، بل أنجزنا ما أوصلنا إلى هنا، ومن هنا نسلّمه إليكم.

 

لن يرث أي جيلٍ كوردستان خالياً من العيوب والمشكلات. فقد ورث جيلنا كوردستان صاغها الظلم والحروب والدمار والتضحيات التي قل نظيرها. وحاولنا أن نحوّل ذلك الإرث إلى أمنٍ ومؤسساتٍ وتنميةٍ وفرصٍ جديدة. وسيرث جيلكم إرثاً مختلفاً.

 

أنتم ترثون ما بنيناه نحن: ترثون إنجازاتنا وخبراتنا وأعمالنا التي لا تخلو من العيوب والأخطاء. ومسؤوليتكم ليست رفض هذا الإرث جملة وتفصيلاً، ولا أن تدافعوا عنه دون تمحيص. إن مسؤوليتكم هي أن تحسّنوا هذا الإرث وتمضوا بكوردستان نحو مرحلة جديدة. وينطبق هذا على هذه الجامعة وعلى سائر جامعات كوردستان الأخرى.

 

لا ينبغي للجامعة أن تُمضي السنوات العشرين القادمة في محاولة البقاء كما تصورناها في عام ٢٠٠٦. بل يجب أن تصبح جامعةً لا نستطيع حتى تصورها ونحن في عام ٢٠٢٦. يجب أن تُنتج علوماً ومعارف تخلو منها كوردستان الآن. وأن تساعد في حلّ المشكلات التي لم نحلّها بعد. وأن تكون متّصلةً بأفضل علوم العالم ومعارفه، وأن تكون في نفس الوقت مسؤولةً بعمقٍ تجاه كوردستان وجعل هذا البلد أفضل. وأن تملك دائماً الثقة التي تمكنها من مراجعة نفسها وأن تغيّر نفسها من جديد، وتتكيّف مع الظروف المستجدّة.

 

أيها الطلبة الأعزاء..

الشابات والشباب الأحبة..

 

قبل عشرين عاماً، كان تأسيس هذه الجامعة مسؤوليتنا. أما ما ستصبح عليه هذه الجامعة خلال السنوات العشرين القادمة، فيقع على عاتقكم أنتم الشباب الأعزاء. حافظوا على ما ينفع. ومسائلة في ما لا ينفع. وتعلّموا من إنجازاتنا. ولا تنفروا من أخطائنا، بل تعلّموا منها. لا تدعوا احترام الفرص التي صنعها جيلنا يتحوّل إلى حدود تُقيّد الفرص التي يستطيع جيلكم أن يأتي بها.

 

لم يكن المقصود بمستقبل الجامعة قطّ أن تكون نصباً تذكارياً لمؤسّسيها، بل كان المقصود أن تصبح مؤسسةً قادرةً على التفوق على مسيرتهم. وربما ينبغي أن يُقال نفس الشيء عن كوردستان.

 

فأعظم إنجازاتنا لن يكون حفاظ الجيل القادم على ما بنيناه نحن كما هو تماماً. بل سيكون أعظم إنجازاتنا أن يمتلك الجيل القادم من العلم والحرية والثقة بالنفس ما يبني به ما لم نستطع نحن بناءه. إن نجاحنا الحقيقي لا يكمن في أن تكونوا نسخةً عنّا، بل في أن تجعلوه أفضل وتمضوا به قدماً.

 

مباركة الذكرى العشرين لجامعة كوردستان – أربيل. وكلّي أمل أن تحمل السنوات العشرون القادمات (الجامعةَ وكوردستان) إلى مرحلةٍ من التقدّم لا يخطر على بالنا اليوم أننا سنبلغها يوماً ما باذن الله.

 

أشكركم جزيل الشكر، وأرجو لكم جميعاً أمسية طيبة.

 

وفي ختام كلمتي، أود أن أشكر كل الذين شاركوا بشكل من الأشكال في بناء هذه الجامعة وتطويرها. أشكر رئيس الجامعة، وأشكر نائب رئيس الجامعة، كريس، المتواجد هنا أيضاً وأشكره، وأشكر السيد إدريس وهو أيضاً هنا، ودعوني أثقل كاهله بعض الشيء فعلى حد علمي تم إكمال تصميم المجمع الجامعي ومن هنا ندعو إلى المباشرة في أقرب وقت بالتنفيذ وافتتاح المجمع الجامعي لأن الطلبة الذين يدرسون هنا يستحقون ذلك حقاً، ونحن ندعمهم في هذا.

 

أبارك لجميع الخريجين وأشكركم لتحملكم الاستماع إلى كلمتي التي أطلت فيها كثيراً، وأعتذر عن ذلك، لكن كان جيداً أنكم تحملتموها، وأهلاً بكم جميعاً.